أيامٌ تُطوى، وأعمارٌ تُفنى فماذا تركنا
العقيد محمود سويدان 🇪🇬
يومٌ بعد يوم، يمر العمر سريعًا كسرابٍ في صحراء، وكموجةٍ على شاطئ، وكظلٍّ زائلٍ في يوم صيفٍ قائظ. نلهث وراء الأحلام، ونسعى لتحقيق الغايات، وننسى أن هذه الحياة ما هي إلا محطة عبور، لا دار إقامة. إن تأمل الإنسان في قصر هذه الحياة هو دعوةٌ للتفكر، وصرخةٌ للعودة إلى الحق، وتذكيرٌ بأن النهاية قادمة لا محالة.
ما أقصرها هذه الحياة!
لم يترك القرآن الكريم والسنة النبوية هذا المعنى دون تأكيد، بل جعلاه أساسًا لتربية النفس وتوجيهها نحو الهدف الأسمى.
-الحياة الدنيا كـ "متاع الغرور"
وصف الله تعالى الحياة الدنيا بأنها "متاع الغرور"، وهي كلمة قوية تحمل في طياتها معاني عميقة. يقول تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (سورة آل عمران، الآية 185). هذا الوصف ليس لتقليل شأن الحياة، بل لتذكيرنا بأن ما فيها من متع وزخارف لا ينبغي أن يخدعنا ويصرفنا عن الهدف الحقيقي، وهو الآخرة. إن كل ما نراه من جاهٍ ومالٍ وقوةٍ هو زائلٌ، والخدعة تكمن في أن يظن الإنسان أن هذه المتعة دائمة.
-سرعة انقضاء الدنيا
شبه النبي صل الله عليه وسلم الحياة في قصرها وسرعة انقضائها بأبلغ الأوصاف. يقول في حديثٍ رواه الترمذي: "ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرةٍ، ثم راح وتركها". هذا التشبيه البليغ يختصر كل شيء؛ فالمسافر لا يقيم في مكان استراحته، بل يغادره ليستكمل رحلته. وهكذا نحن في هذه الدنيا، لسنا مقيمين فيها، بل عابرون سبيل، والمتاع الذي فيها ليس إلا وسيلة للاستعانة به على بلوغ الغاية.
-دعوة للعمل الصالح
قصر الحياة ليس سببًا لليأس والإحباط، بل هو دافعٌ للعمل والإنجاز. فإذا كان الوقت قصيرًا، كان على الإنسان أن يستثمر كل لحظة فيه. يقول صل الله عليه وسلم: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قبل خَمْسٍ: شبابَك قبلَ هِرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِنَاكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ". هذا الحديث الشريف هو منهج حياة، يحدد الأولويات، ويحث على استغلال الوقت والفرص في طاعة الله والعمل الصالح، قبل أن يفوت الأوان.
كيف نستفيد من هذه الحقيقة؟
إن إدراك حقيقة قصر الحياة يمنحنا منظورًا مختلفًا للأمور. فهو يدفعنا إلى:
-تحديد الأولويات: فالأهم هو العمل للآخرة، وهو الباقي.
-الزهد في الدنيا: ليس بمعنى تركها، بل بمعنى عدم التعلق بها لدرجة نسيان الآخرة.
-المسارعة في الخيرات: فما دامت الحياة قصيرة، فالمنافسة في الطاعات والمسارعة إليها هي أعظم ربح.
-عدم اليأس: فمهما كانت المشاكل والتحديات كبيرة، فهي مؤقتة وستنتهي بزوال هذه الحياة.
وفي النهاية، تذكر أن الحياة قصيرة، ولكن تأثيرها يمكن أن يكون خالدًا. فلنترك أثرًا طيبًا، ولنزرع بذور الخير، ولنعمل ليومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون.
وفي الختام، بعد أن أدركنا حقيقة قصر هذه الحياة، فلنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستغلون كل لحظةٍ فيها لمرضاته، وأن يجعلنا ممن يتذكرون الآخرة ويعملون لها، وأن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاةً لا تنقطع حتى نلقاه، ولا تنتهي حتى نرضاه.
والله أعلم
الفقير إلى الله محمود سويدان

0 تعليقات