الابتلاء بالصيد وسلاح العصر: كيف يُمتحن الإيمان في زمن المباح

 

الابتلاء بالصيد وسلاح العصر: كيف يُمتحن الإيمان في زمن المباح




بقلم العقيظ  محمود سويدان 🇪🇬 

إنَّ الفهم العميق للقرآن الكريم يُعلِّمنا أنَّ الابتلاء ليس دائماً سلبياً في صورة كارثة أو مصيبة، بل قد يأتي في صورة تيسير شديد للمُحرم، وامتحان لمدى قدرة الإنسان على ضبط نفسه والالتزام بالحدود الإلهية رغم سهولة الوصول للمعصية. وهذا هو سر العظمة في قوله تعالى في سورة المائدة، وهو يُخاطب المؤمنين المُحرِمين:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: 94)

1-الابتلاء في صورة تيسير (الصيد السهل)

يشير المفسرون إلى أنَّ قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني أنَّ الابتلاء كان بصيد سهل المنال، ضعيف أو صغير، يقترب جداً من المُحرم لدرجة أنه يكاد يُمسك باليد أو يصاد بالرمح دون جهد كبير.

الحكمة الإلهية:

• امتحان الخوف بالغيب: لو كان الصيد صعباً وبعيداً، لكان تركه سهلاً، ولكن عندما يكون قريباً ومُغرياً، يظهر صدق الإيمان. الابتلاء هنا يهدف إلى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. فالعابد الحقيقي هو الذي يخاف الله حين تتهيأ له أسباب المعصية ولا يراه أحد.

• اختبار الطاعة: هل يلتزم المُحرِم بالنهي الإلهي، أم يتبع شهوته أمام هذا اليسر في الحصول على الممنوع ،

2-هاتف العصر (الموبايل) بوصفه "صيداً سهلاً"

يمكن إسقاط هذا المفهوم القرآني العظيم على أعظم فتن العصر الحديث، ألا وهو الهاتف الذكي (الموبايل) سيئ الاستخدام. فالهاتف في شكله ومضمونه يمثل اليوم "الصيد السهل" المُيسَّر الذي تناله الأيدي والأسماع والأبصار في كل مكان.

تطبيق المعنى:

• سهولة المنال: فكرة ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ تتجسد في سهولة الوصول للمحرمات والفتن بكبسة زر، دون عناء أو بحث.

• الإغراء بالتساهل: الابتلاء بالـ "صيد الضعيف والصغير" هو إغراء لارتكاب "صغائر" الذنوب في الخلوة (نظرة، كلمة، لهو)، حيث يظن المرء أنه لا رقيب.

• اختبار الخوف بالغيب: هل يغض المرء بصره حين يختلي بهاتفه ،هل يحفظ لسانه وقلبه من الإشاعات والآثام؟ هل يترك متابعة الممنوعات رغم قدرته عليها ،

• مُغْرٍ وقريب: الإغراء المستمر بالملهيات ومُفسدات الوقت والدين، وكأنه يأتيك إلى فراشك.

إنَّ الموبايل سيئ الاستخدام اليوم هو أشد أنواع الابتلاء بالصيد السهل. إنَّك لو أردت ارتكاب معصية قديماً، لاحتاج الأمر إلى جهد وبحث ومال، لكن اليوم، كل فتن الدنيا متاحة في جهاز صغير "تناله الأيدي" دون رقيب إلا الله.

3-الفائز هو الخائف بالغيب

الفائز في هذا الابتلاء ليس من ترك المعصية عجزاً، بل من تركها خوفاً من الله وحده، رغم أن المعصية كانت في متناول يده.

﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾

إنَّ الآية ترفع مفهوم المراقبة الذاتية إلى أعلى درجات الإيمان. عندما تغلق بابك وتُطفئ نورك، وتبقى وحيداً مع هاتفك، تذكر أنَّ الله يبلوك بشيء من هذا "الصيد السهل"، فإياك أن تكون ممن "اعتدى" بعد هذا البيان، فيستحق العذاب الأليم.

فلتكن شاشتك نافذة على الخير، لا فخاً لصيد إيمانك ،


وأخيراً نسأل الله العفاف والتثبيت في زمن الفتن

اللهمَّ يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك.

اللهمَّ يا مصرفَ القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك.

يا ربنا، نسألك أن تجعلنا من الذين يخافونك بالغيب، فيتركون المعصية رغم سهولتها ويجتنبون المحارم رغم يسرها.

اللهمَّ طهِّر أبصارنا وأسماعنا وقلوبنا من فتنة الإعلام وفتنة الهاتف، واجعل التكنولوجيا وسيلة لرضاك لا طريقاً إلى سخطك.

اللهمَّ أصلح ظواهرنا وبواطننا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

آمين يا رب العالمين.

والله أعلم 

الفقير إلى الله محمود سويدان

إرسال تعليق

0 تعليقات