هل تغول الرأسمالية يؤدي إلى تدن قيمي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية
اد. عادل القليعي يكتب...🇪🇬
بداية نطرح سؤالا ، وسنحاول أن نقدم إجابات عليه ، وبالضرورة قد تنال استحسان بعض القراء ، وعلى الجانب الآخر لن تنال قبولهم وهذا يثري المقال ويكسبه حيوية وحركية ويفتح أبوابا للنقاش.
من منا يرفض الثورة الصناعية ، من يرفض الثراء الناجم عن هذه الثورة ، من يرفض النماء الاقتصادي الذي ينمحي معه التضخم في أبشع صوره ، من منا يرفض التقدم الصناعي لبلده من خلال إنشاء مصانع كثيرة في كآفة مجالات التصنيع ،كالصناعات الثقيلة ، كصناعات السيارات والمعدات الثقيلة وحتى تصنيع الطائرات ، وكالصناعات الغذائية والدوائية ، وغيرها والتي من خلالها تتوافر فرص عمل كثيرة تقضي أو على الأقل تقلل من مشكلة البطالة ويحدث الاستفادة المرجوة من قطاعات الشباب العريضة خريجوا الكليات العملية ، ككليات الهندسة وكليات التكنولوجيا وكليات العلوم بعد إجراء اختبارات دقيقة لهم كل في مجال تخصصه.
وفي نفس الوقت تسد العجز الاستهلاكي فيقل الاستيراد ويفتح بابا عظيما للتصدير مما يدخل علينا العملة الصعبة فيرتفع من خلالها الاحتياطي النقدي الأجنبي.
فى اعتقادي وملتي أنه لا يوجد شخص محب لوطنه يرفض ذلك ، لا يمكن أن يوجد إنسان يقدر معنى المواطنه يرفض أن يرتقي وطنه ويتبوأ مكانا عليا ، لا أعتقد أنه يوجد مواطن شريف يرفض زيادة دخول بلده ، لأن ذلك سينعكس على الفرد إيجابا وعلى دخله السنوي ، ليس هذا وحسب بل وستقدم له خدمات على مستوى عال من الكفاءة في كآفة مؤسسات الدولة.
فيرتقي التعليم ، والثقافة والآداب والفنون ، والطاقة والكهرباء والتسليح والدواء والمواصلات وينتعش الاقتصاد وتنخفض الأسعار ، ويشعر المواطن بآدميته.
كل ذلك جد مهم وعمل جليل ، لكن ما لا نقبله هو تغول هذه الرأسمالية إلى حد الفحش ، فيزداد أصحاب رؤوس الأموال ثراء ، ويزداد العمال البسطاء فقرا وجوعا ومرضا ، لأنه كلما زادت الثروة زادت معها لفظة هل من مزيد ، ومن ثم فلن تكون هناك عدالة فى التوزيع ، ولن تكون هناك نسب وتتناسب فى التوزيع وفي أرباح المصانع مثلا. هذا على الجانب والصعيد المادي.
نأتي إلى الانحرافات آلتي تصاحب هذا التغول الرأسمالي ، أولتها ، اغتراب الإنسان عن ذاته ، وهذا على المستوى الفردي ، بمعنى يصبح الإنسان آلة لتدر المال ، لماذا ، لأنه يري هؤلاء أصحاب رؤوس الأموال ، فيحاول أن يصير مثلهم ، فينسى نفسه ، فيواصل عمله ليلا ونهارا ، ويصبح كثور مربوط في ساقية.
وهذا بالضرورة سينعكس على أسرته الصغيرة ، فلن يكون هناك متابعة للأولاد ولا للزوجة.
لماذا لأنه يعود من عمله منهك يريد أن يحصل على قسط من الراحة حتى يستطيع أن يواصل عمله ليحقق ما يصبو إليه ، فيضيع عمره سدى.
ثانيتها ، على المستوى الجمعي ، ستنتشر الرذائل وستعم الفوضى ، وسيشرعن لما يمكن أن نطلق عليه الطبقية البغيضة ، وينقسم المجتمع إلى أغنياء وفقراء ، سادة وعبيد ، من يركبون أحدث وأفخم السيارات ومن يلهثون خلف المواصلات العامة فتخور قواهم قبل أن يصلوا إلى أماكن أعمالهم ، فماذا سننتظر منهم ، هل سينتجون أم سيقضون يوم العمل في نوم عميق ، وهذا ما هو حادث بالفعل ، فكيف بموظف حكومي يجمع بين ثلاثة مهن بعد أداء وظيفته الحكومية ، ماذا سننتظر منه.
فضلا عن ذلك ستكثر السرقات وستنتشر البلطجة وتثبيت المارة فى الشوارع وإخراج ما في جيوبهم عنوة ، وستنتشر تجارة الأعضاء باسم التبرعات ، وما أكثر هؤلاء أمام المشافي الحكومية ، وما أكثر من يبيعون دمائهم باسم التبرع بالدم ، وذلك لتحقيق الثراء.
فضلا عن تجارة المخدرات وبيوت الدعارة وغيرها من طرق الثراء السريع.
ثالثتها ، ما يحدث من بعض ممن يطلقون على أنفسهم إعلاميين ، في بعض القنوات الفضائية ، وهذه صورة بشعة من صور تغول الرأسمالية ، فليس مهما المحتوى الذي يقدم للمتلقي ، ليس مهما جودة المذيع أو المذيع ، جودته ولباقته ولغته ومادته التي يقدمها ، المهم مهارته في تحقيق نسب المشاهدات عن طريق التعري والايحاءات الجنسية ، واستضافة بعض الشخوص الذين دأبوا على السفسطة وتضليل الناس ، ليس مهما ، المهم الأرباح التي ستجنى من وراءهم.
رابعتها ، ما نشاهده من تدن قيمي وأخلاقي في ما يقدم من محتوى على برامج التوك شو ، أو التوك توك ، من ألفاظ خادشة وأفاعيل رذيلة تشرعن للفجور ، بل زاد الحد إلى أن هناك من يبتغون المكسب السريع والثراء الفاحش ، هناك من يصور أهل بيته عراة ويبث فيديوهات لهم ، كل ذلك لماذا لتحقيق المكسب السهل السريع.
ونسي هؤلاء أن ما يأتي من حرام حتما سيذهب فى الحرام.
نسي هؤلاء أن من يجمع ثروته من الدياثة والقوادة والاتجار بالمخدرات أو بالأعضاء البشرية وغيرها حتما سيذهب سريعا إما بمرض عضال أو ولد قد يقتل أباه ويقتل أخاه حتى يرثه ولا يشاركه أحد فى الميراث.
نسي هؤلاء أن أصحاب رؤوس الأموال الضخمة قد بنوا أنفسهم من تحت الصفر حتى وصلوا إلى القمة أي من القاع إلى القمة.
لذا عليهم ألا ينسوا الفقراء حتى يتحقق ما نصبو إليه ، التكافل الاجتماعي.
أستاذ الفلسفة بآداب حلوان.

0 تعليقات