ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد
المقال :"61"
إمارة البوسنة الإسلامية.. صمود الإسلام في قلب أوروبا
بقلم الدكتور عيد كامل حافظ النوقي
مقدمة:
في قلب القارة الأوروبية، وبين الجبال الشاهقة ،والوديان العميقة، قامت تجربة إسلامية فريدة استطاعت أن تحافظ على هويتها لأكثر من أربعة قرون وسط محيطٍ مليء بالصراعات الدينية، والسياسية، إنها البوسنة الإسلامية، أو ولاية البوسنة العثمانية، التي تحولت إلى واحدة من أهم قلاع الإسلام في أوروبا، وإلى جسر حضاري ربط بين الشرق الإسلامي، والغرب الأوروبي.
لقد مثّلت البوسنة نموذجًا متميزًا للتعايش الحضاري، ومركزًا علميًا، وثقافيًا، واقتصاديًا بارزًا في منطقة البلقان.
كما أصبحت حصنًا متقدمًا للدفاع عن العالم الإسلامي أمام التوسع الأوروبي، وحملت راية الإسلام في منطقة كانت تعج بالصراعات المذهبية ،والقومية.
إن تاريخ البوسنة الإسلامية ليس مجرد صفحات من الماضي، بل هو قصة أمة قاومت الذوبان، وحافظت على عقيدتها، وهويتها رغم المؤامرات ،والحروب والمجازر التي تعاقبت عليها عبر القرون.
أولًا: موقع البوسنة وأهميتها الإستراتيجية:
تقع البوسنة، والهرسك في منطقة البلقان جنوب شرق أوروبا، وتحيط بها كرواتيا، وصربيا ،والجبل الأسود.
وقد اكتسبت أهمية إستراتيجية كبيرة بسبب وقوعها على طرق التجارة بين الشرق، والغرب، وكونها بوابة طبيعية تربط أوروبا الوسطى بالعالم الإسلامي.
ويذكر المؤرخ البريطاني نويل مالكولم في كتابه Bosnia: A Short History :"أن البوسنة كانت تمثل "حلقة وصل جغرافية وحضارية بين العالمين الشرقي ،والغربي" (مالكولم:1996م، ص17).
ثانيًا: نشأة الإمارة الإسلامية في البوسنة:
دخل العثمانيون البوسنة تدريجيًا خلال القرن الخامس عشر الميلادي.
وفي عام 1463م سقطت المملكة البوسنية بعد حملة السلطان العثماني العظيم محمد الفاتح، وتم ضم الجزء الأكبر من البلاد إلى الدولة العثمانية، بينما اكتمل إخضاع الهرسك سنة 1481م.
وفي سنة 1580م أعلن العثمانيون تأسيس إيالة البوسنة كولاية مستقلة ذات مكانة خاصة داخل الدولة العثمانية، وأصبحت تتمتع بإدارة محلية واسعة نسبيًا مقارنة بغيرها من الولايات.
وقد استمرت هذه الولاية الإسلامية قرابة ثلاثة قرون حتى تحولت لاحقًا إلى ولاية البوسنة ضمن إصلاحات التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر.
ثالثًا: لماذا انتشر الإسلام في البوسنة؟:
يعد انتشار الإسلام في البوسنة من أكثر الظواهر التاريخية تميزًا في أوروبا.
ويؤكد عدد من الباحثين أن التحول إلى الإسلام كان تدريجيًا واستغرق أكثر من قرن، ولم يكن نتيجة هجرات جماعية ضخمة من الأناضول كما كان يُشاع.
ومن أهم أسباب انتشار الإسلام:
١)ضعف المؤسسات الكنسية المحلية قبل الفتح العثماني.
٢)رغبة السكان في الاستفادة من الاستقرار السياسي والاقتصادي.
٣)ازدهار المدن الإسلامية الجديدة.
٤)الانفتاح الحضاري الذي وفرته الدولة العثمانية.
٥)العدالة النسبية التي شعر بها كثير من السكان مقارنة بالمراحل السابقة.
ويشير المؤرخ نويل مالكولم إلى أن عملية الأسلمة في البوسنة كانت من أكثر عمليات التحول الديني تعقيدًا في أوروبا الشرقية (مالكولم:1996م، ص52).
رابعًا: أبرز حكام وقادة البوسنة الإسلامية:
1) الغازي خسرو بك:
يعد أعظم حكام البوسنة في العصر العثماني.
تولى حكم البوسنة بين عامي 1521م و1541م.
ومن أبرز إنجازاته:
تأسيس المدارس العلمية.
إنشاء المكتبات.
بناء الأسواق والخانات.
تشييد المساجد الكبرى.
تطوير مدينة سراييفو.
وقد أصبحت سراييفو في عصره من أهم المدن الإسلامية في أوروبا.
2) حسن باشا بريدوييفيتش:
كان من أبرز القادة العسكريين في البوسنة خلال القرن السادس عشر.
قاد حملات عديدة لحماية الحدود الغربية للدولة العثمانية.
3) علي باشا:
أسهم في تعزيز الإدارة المحلية، وتحصين المدن الحدودية ضد الهجمات النمساوية.
خامسًا: مقومات قوة إمارة البوسنة الإسلامية:
1) الموقع الحدودي:
كانت البوسنة خط الدفاع الأول عن الدولة العثمانية في مواجهة النمسا ،والمجر والبندقية.
2) القوة العسكرية:
اشتهر البوشناق بالشجاعة، والبأس العسكري.
وشارك الآلاف منهم في الجيوش العثمانية، ووصل بعضهم إلى أعلى المناصب العسكرية، والسياسية.
3) الهوية الإسلامية الراسخة:
استطاعت البوسنة أن تخلق مجتمعًا مسلمًا متماسكًا حافظ على عقيدته ،ولغته، وثقافته عبر القرون.
4) الازدهار الاقتصادي:
ازدهرت التجارة والصناعات، والحرف اليدوية.
كما نشأت أسواق كبيرة في سراييفو، وموستار ،ومدن أخرى.
سادسًا: أهم أعمالها في خدمة الإسلام:
نشر العلم
أنشئت عشرات المدارس الشرعية.
وأصبحت البوسنة مركزًا علميًا مهمًا في أوروبا الإسلامية.
بناء المساجد
انتشرت المساجد في مختلف المدن.
ومن أشهرها:
مسجد الغازي خسرو بك
مسجد الإمبراطور
خدمة اللغة العربية، والعلوم الإسلامية
ازدهرت دراسة:
القرآن الكريم.
الحديث الشريف.
الفقه.
اللغة العربية.
وخرجت البوسنة عددًا كبيرًا من العلماء والقضاة والمفتين.
حماية الوجود الإسلامي في أوروبا
مثلت البوسنة حصنًا متقدمًا للإسلام في قلب القارة الأوروبية لأكثر من أربعة قرون.
سابعًا: النهضة العمرانية ،والحضارية:
شهدت البوسنة ازدهارًا عمرانيًا كبيرًا.
ومن أبرز المعالم:
مدينة سراييفو
سراييفو
تحولت إلى واحدة من أجمل مدن الدولة العثمانية.
مدينة موستار
موستار
واشتهرت بجسرها التاريخي العظيم.
الجسر القديم
الذي أصبح رمزًا للتعايش الحضاري.
ثامنًا: آثار وثمار التجربة الإسلامية في البوسنة:
1) تكوين الهوية البوشناقية الإسلامية
ظهرت شخصية حضارية فريدة تجمع بين الإسلام ،والانتماء الأوروبي.
2)الحفاظ على الإسلام حتى العصر الحديث:
رغم مرور مئات السنين، ظل المسلمون يشكلون أحد المكونات الرئيسية في البوسنة.
3) الإرث العلمي ،والثقافي:
خلفت البوسنة آلاف المخطوطات الإسلامية والمدارس، والمكتبات.
وقد تناولت دراسات حديثة أهمية التراث المخطوط، والمؤسسات العلمية في البوسنة العثمانية.
تاسعًا: بداية الضعف:
بدأ الضعف مع تراجع الدولة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ومن الأسباب:
١)الحروب المستمرة مع النمسا، وروسيا.
٢)التراجع الاقتصادي.
٣)ضعف الإدارة المركزية.
٤)تصاعد النزعات القومية في البلقان.
٥)التدخل الأوروبي المتزايد.
عاشرًا: سقوط الحكم الإسلامي في البوسنة:
بعد مؤتمر برلين سنة 1878م مُنحت الإمبراطورية النمساوية المجرية حق احتلال البوسنة وإدارتها.
وانتهى بذلك الحكم الإسلامي المباشر الذي استمر قرابة أربعة قرون.
ثم أعلنت النمسا ضم البوسنة رسميًا سنة 1908م.
ورغم انتهاء الحكم السياسي الإسلامي، بقي المسلمون محافظين على هويتهم الدينية ،والثقافية.
الحادي عشر: دروس، وعبر من التجربة البوسنية:
أن العقيدة قادرة على حفظ هوية الشعوب عبر القرون.
أن العلم، والعمران أساس بقاء الحضارات.
أن الوحدة الداخلية من أهم عوامل الصمود.
أن التراجع الحضاري يبدأ غالبًا من الداخل قبل أن يأتي الخطر من الخارج.
أن الأمة التي تمتلك هويتها تستطيع النهوض بعد أشد المحن.
خاتمة:
تبقى البوسنة الإسلامية واحدة من أعظم التجارب الحضارية في التاريخ الإسلامي الأوروبي، فقد استطاعت أن تحمل مشعل الإسلام في قلب أوروبا، وأن تبني حضارة علمية ،وعمرانية ،وثقافية امتدت قرونًا طويلة.
ورغم سقوط الحكم الإسلامي، بقيت آثار تلك التجربة حية في المساجد ،والمكتبات ،والمدارس، والوجدان الشعبي، لتؤكد أن الحضارات العظيمة لا تموت بانتهاء دولها، وإنما تبقى شاهدة على عظمة الرسالة التي حملتها، والأمة التي صنعتها.
أهم المراجع العربية والأجنبية :
١)مالكولم، نويل. تاريخ البوسنة المختصر، ترجمة مركز الدراسات، بيروت، 1996م.
٢)علي الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، دار المعرفة، بيروت، 2004م.
٣)محمد سهيل طقوش، تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة، دار النفائس، بيروت، 2013م.
٤)راغب السرجاني، قصة الدولة العثمانية، مؤسسة اقرأ، القاهرة، 2011م.
٥)محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية، دار النفائس، بيروت، 1981م.
٦)أحمد مختار العبادي، تاريخ أوروبا الحديث، دار النهضة العربية، بيروت، 1998م.
٧)محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة، دار القلم، دمشق، 2000م.
٨)مصطفى السباعي، من روائع حضارتنا، المكتب الإسلامي، بيروت، 1999م.
٩)عبد العزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1980م.

0 تعليقات