د كامل عبد القوى النحاس يبدع النسخ و تفنيد الشبهات 🇪🇬

 

النسخ و تفنيد الشبهات

د كامل عبد القوى النحاس 




إذا كان النسخ حقًّا... فلماذا لا ننسخ الأحكام اليوم؟


في كل مرة يُثار فيها الحديث عن النسخ، يتكرر سؤال يبدو في ظاهره منطقيًا: 


إذا كان الله سبحانه قد نسخ بعض الأحكام في عهد النبوة، فلماذا لا ننسخ بعض الأحكام اليوم وقد تغيرت الحياة وتبدلت الظروف؟


وقد يظن بعض الناس أن هذا السؤال يصعب الجواب عنه، بينما الحقيقة أنه يقوم على خلط بين أمرين مختلفين تمامًا:


 النسخ والاجتهاد. فإذا تميز أحدهما من الآخر، زالت الشبهة من أصلها.


هل كان النسخ اقرارا بخطأ؟


اعتاد الناس أن يروا القوانين البشرية تتغير بين حين وآخر. فدستور يُعدَّل، وقانون يُلغى، ولائحة تُستبدل بأخرى. وغالبًا ما يكون السبب اكتشاف خلل، أو تغير ظروف، أو ظهور نتائج لم تكن في الحسبان.


وهذا أمر طبيعي؛ لأن البشر يجتهدون، والاجتهاد البشري يعتريه النقص، فيصحح اليوم ما أخطأ فيه بالأمس.


لكن هل يجوز أن نقيس تشريع الله على تشريع البشر؟


هنا تبدأ الشبهة، وهنا أيضًا يبدأ الجواب.


فالله سبحانه لا يشرع لأنه يجرب، ولا يبدل حكمًا لأنه اكتشف ما لم يكن يعلمه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وإنما يشرع بعلم أحاط بكل شيء، وبحكمة لا يعتريها نقص.


ولذلك لم يكن النسخ انتقالًا من حكم ناقص إلى حكم أكمل، بل كان انتقالًا من حكم يناسب مرحلة معينة إلى حكم يناسب مرحلة أخرى، وكلاهما حق، وكلاهما صادر عن علم الله وحكمته.


ولو تأملنا أمثلة النسخ في القرآن، لوجدنا أن كل حكم أدى المهمة التي شُرع من أجلها، ثم جاء ما بعده في الوقت الذي أراده الله، ليكتمل البناء، لا ليصحح خطأ.


ولهذا كان النسخ جزءًا من التربية الإلهية للأمة.


فالطفل لا يُخاطب كما يُخاطب الرجل، والمتعلم المبتدئ لا يُكلف بما يُكلف به العالم الخبير. وليس في ذلك تناقض، بل هو عين الحكمة.


وهكذا ربى الإسلام الأمة، فانتقل بها من مرحلة إلى مرحلة، حتى اكتمل بناؤها، واستقرت أحكامها.


متى انتهى النسخ؟


وهنا تظهر حقيقة يغفل عنها كثير من الناس.


فالنسخ لم يكن بابًا مفتوحًا لكل زمان، وإنما كان مرتبطًا بالوحي نفسه.


كان القرآن ينزل منجمًا خلال ثلاث وعشرين سنة، ترافق آياته أحداث الدعوة، وبناء المجتمع، وتأسيس الدولة، فتأتي الأحكام في الوقت الذي تقتضيه الحكمة الإلهية.


فلما اكتمل نزول القرآن، واكتملت الرسالة، انتهى النسخ تلقائيًا؛ لأنه لم يعد هناك وحي ينزل بحكم جديد.


ولهذا أعلن القرآن اكتمال التشريع بقوله تعالى:


﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾        [المائدة: 3].


فإذا اكتمل الدين، لم يعد لأحد أن يزيد فيه أو ينقص منه، أو يرفع حكمًا شرعيًا بحجة تغير الزمان.


ومن هنا أجمع علماء المسلمين على أنه لا نسخ بعد وفاة رسول الله ﷺ؛ لأن النسخ وحي، والوحي قد انقطع.


ويؤكد القرآن هذا المعنى حين يصف رسالة النبي ﷺ بقوله:


﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾

             [النجم: 3-4]


فالنسخ لم يكن اجتهادًا نبويًا، وإنما كان وحيًا من الله سبحانه.


فلماذا بقي الاجتهاد؟


وهنا يقع الخلط الذي أوقع كثيرًا من الناس في سوء الفهم.


فالنسخ انتهى... لكن الاجتهاد لم ينته.


لأن الاجتهاد لا ينسخ نصًا، ولا يرفع حكمًا، وإنما يبحث عن كيفية تنزيل النصوص على الوقائع المستجدة.


فالربا مثلًا ما زال محرمًا كما كان يوم نزل القرآن، ولم يملك أحد أن ينسخ هذا الحكم.


لكن صور المعاملات المالية تطورت، وظهرت البطاقات البنكية، والمعاملات الإلكترونية، والعملات الرقمية، وغيرها من النوازل، فاجتهد العلماء في معرفة حكمها في ضوء النصوص الشرعية، دون أن يغيروا أصل الحكم.


وهذا هو الفارق الجوهري.


فالنسخ يغير الحكم بوحي.


أما الاجتهاد فيطبق الحكم على واقع متجدد.


الأول حق لله وحده.


والثاني وظيفة العلماء في كل عصر.


ومن هنا جمعت الشريعة بين الثبات والمرونة؛ ثبتت النصوص، وتجدد الاجتهاد في فهم الواقع وتنزيل الأحكام عليه.


لماذا أخطأ بعض النقاد؟


إذا تأملنا معظم الشبهات المثارة حول النسخ، وجدنا أنها تعود إلى سببين رئيسين.


الأول: قياس التشريع الإلهي على القوانين البشرية، مع أن الفرق بينهما كالفرق بين علم الخالق وعلم المخلوق.


والثاني: الخلط بين النسخ وغيره من مباحث أصول الفقه، كالبيان، والتخصيص، والتقييد، وهي أبواب متقاربة في ظاهرها، لكنها مختلفة في حقيقتها وأحكامها.


وقد أدى هذا الخلط إلى أن ظن بعض الناس أن كل اختلاف بين نصين هو نسخ، مع أن العلماء المحققين كانوا أكثر احتياطًا، وقرروا أن الجمع بين الأدلة أولى من ادعاء النسخ متى أمكن ذلك.


وهذا ما سنراه في المقال القادم.


كلمة أخيرة


كلما ازداد الإنسان فهمًا لحقيقة النسخ، ازداد يقينًا بأن الشريعة لم تكن تغير الأحكام عبثًا، وإنما كانت تبني الإنسان، وتربي المجتمع، وتقيم الدولة، حتى استقر التشريع على صورته الكاملة.


ولهذا انتهى النسخ بانتهاء الوحي، وبقي الاجتهاد ما بقيت الحياة.


فالوحي لا يتجدد، لكن الوقائع تتجدد.


والنصوص ثابتة، لكن حاجات الناس لا تنقطع.


ومن هنا جاءت عبقرية الشريعة؛ فلم تجمد أمام تغير الزمان، ولم تجعل النصوص نهبًا للأهواء، بل جمعت بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيق، فبقيت صالحة لكل عصر، وقادرة على مواكبة كل مستجد.


ويبقى بعد ذلك سؤال لا يقل أهمية:


 إذا كان النسخ لا يثبت إلا بضوابط دقيقة، فلماذا امتلأت بعض كتب التراث بآيات قيل إنها منسوخة؟

 

وهل توسع العلماء فعلًا في دعوى النسخ؟


هذا ما سنناقشه في المقال القادم، لنكتشف وجهًا آخر من وجوه عظمة التراث الإسلامي، 


وهو أن علماءه لم يترددوا في مراجعة أقوالهم، وتضييق دائرة النسخ، وتقديم الدليل على مجرد الدعوى.







إرسال تعليق

1 تعليقات

‏قال غير معرف…
جزاكم الله خيرا ونفع بكم