انفجار أزمة 54 – الحلقة 24 للمؤرخ اللواء أشرف جمال حماد
المدفعية.9.. حين صار رفاق الثورة في السجن
قراءة سياسية خالد البنا
ليست أخطر لحظات الثورات حين تواجه عدوًا خارج حدودها، وإنما حين تبدأ الثورة في النظر إلى أبنائها باعتبارهم أعداء.وهنا تكمن دلالة ما جرى لضباط المدفعية.فالذين اعتُقلوا لم يكونوا من رجال العهد الملكي الذين حاربوا الثورة، بل كانوا ــ وفق الرواية التي بين أيدينا من الضباط الذين شاركوا في حركة 23 يوليو نفسها، وكان بينهم من ارتبط بقيادات الثورة منذ أيامها الأولى.وهنا يصبح السؤال أكبر من قضية اعتقال مجموعة من الضباط:
متى يتحول الخلاف السياسي داخل الثورة إلى اتهام بالخيانةيوسف صديق... أول صوت يقول لاداخل مجلس قيادة الثورة نفسه ظهر الاعتراض.يوسف صديق، أحد الضباط الذين ارتبط اسمهم بقيام حركة يوليو، لم يقبل أن يتحول الخلاف السياسي إلى اعتقال.
فاستقال.وهذه الاستقالة، في معناها السياسي، ليست مجرد خلاف بين رجل ومجلس.
إنها تقول.يمكن أن نختلف معًا على الطريق، دون أن يتحول أحدنا إلى عدو للآخر.
لكن الأخطر أن الاستقالة بحسب الرواية لم يُرَد لها أن تصبح قضية عامة، ولم يُرَد لصاحبها أن يحتفظ بمساحته داخل مصر، فانتهى به الأمر بعيدًا عنها.وهنا تبدأ الثورة في خسارة شيء من روحها الأولى.فالثورة التي قامت في خطابها الأول باسم الوطن، يفترض أن تتسع للاختلاف بين أبنائها.أربع مائة ضابط ومسدس واحد
ثم جاء رد الفعل داخل المدفعية.
اجتمع مئات الضباط احتجاجًا على اعتقال زملائهم.وهذا المشهد في ذاته شديد الدلالة.
فبدل أن يكون الخلاف في قاعة اجتماع، أصبح داخل وحدات الجيش.وبدل أن يكون النقاش:
أي طريق نختار لمصرأصبح من مع الثورة ومن ضدهاثم يخرج المسدس إلى المشهد.
وهنا تتغير لغة السياسة.حين يدخل المسدس في الحوار، يصبح الكلام مختلفًا.
فالسياسة تستطيع أن تحتمل رأيًا ورأيًا آخر، أما السلاح فلا يعرف إلا الطاعة أو العصيان.
وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا.لأن الثورة عندما تستخدم السلاح لإسكات الخلاف داخل صفوفها، فإنها لا تعالج الانقسام؛ بل تؤجله وتعمقه.
التهمة الغريبةثم تظهر في الرواية المنقولة هنا تهمة أن الضباط حصلوا على ملايين الجنيهات من الإنجليز لإحداث فتنة في الجيش.
وهنا ينبغي للقارئ أن يفرق بين الرواية التاريخية والتهمة التي قيلت آنذاك؛ فمجرد ورود الاتهام في المذكرات لا يعني ثبوته تاريخيًا.لكن حتى بوصفها تهمة سياسية، فإن أهميتها تكمن في شيء آخرلقد أصبح الخلاف السياسي يحتاج إلى تهمة جنائية حتى يمكن تبرير قمعه.وهذه ظاهرة تتكرر في تاريخ السياسةيختلف الرجل مع السلطة، فيقال إنه خائن.يعترض، فيقال إنه عميل.
يطالب بالدستور، فيقال إنه يريد هدم الثورة.
وهكذا يصبح من السهل جدًا أن تتحول السياسة إلى محكمة، وأن يتحول الخصم السياسي إلى متهم.المشكلة لم تعد في الملك... بل في معنى الثورةوهنا نصل إلى جوهر الحلقة.
الثورة في بدايتها قالت إنها جاءت لتغيير نظام الحكم وإصلاح أحوال البلاد.
لكن إذا كان أحد أبناء الثورة يستطيع أن يقول
نريد دستورًا، ونريد أن نختلف، ونريد ألا يُسجن الضابط لمجرد موقف سياسيثم يجد نفسه متهمًا أو معتقلًافالسؤال يصبح.هل المشكلة كانت في الثورة، أم في الطريقة التي بدأت بها الثورة تحكم.هذه نقطة لا ينبغي أن تضيع وسط التفاصيل..فالخلاف بين الضباط لم يكن ــ في جوهر الرواية التي تقدمها الحلقة ــ خلافًا على حب مصر.كان الخلاف على من يملك حق تحديد مستقبل مصر.هل يظل الجيش صاحب القرارأم يعود الجيش إلى ثكناته، وتنتقل إدارة الدولة إلى مؤسسات سياسية ودستورية؟
وهنا يصبح الصراع أعمق بكثير من أسماء الأشخاص.نحن زى السمك ناكل بعضنا بعضًا»
الجملة التي نُسبت إلى محمد نجيب في الحلقة السابقة تصلح مفتاحًا لفهم هذه المرحلة
أصبحنا زي السمك ناكل بعضنا بعضًا.
فالخطر الحقيقي أن الثورة بدأت تأكل أبناءها.
يوسف صديق أولًا.ثم ضباط المدفعية.
ثم آخرون.والخلاف الذي كان يمكن أن يكون اختلافًا سياسيًا تحول تدريجيًا إلى صراع على السلطة والنفوذ داخل المؤسسة التي جاءت بالثورة.وهنا تبدو المأساة الإنسانية قبل أن تكون سياسيةرجل كان بالأمس رفيقك في الخطر، يصبح اليوم خصمًا يجب التخلص منه.
الثورة التي تخاف من أبنائها
الثورة القوية لا تخاف من أن يتحدث أبناؤها.
ولا تحتاج إلى أن تجعل الجميع متشابهين.
بل إن أخطر علامة على ضعف الثورة أن تصبح محتاجة إلى الصمت حتى تستمر.
فالاختلاف لا يهدم الثورة.
الذي يهدمها هو أن يصبح الاختلاف جريمة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا كانت قضية المدفعية نقطة فارقة في تاريخ يوليو.لم تعد المسألةملكًا ضد ثوار.بل بدأت تتحول إلى.ثوار ضد ثوار.
وهذا أخطر.لأن الصراع الأول يمكن أن ينتهي بانتصار طرف على طرف.
أما الصراع الثاني فيأكل الجماعة نفسها من الداخل.والإنسان في النهاية هو الذي يدفع الثمن
خلف كل قرار سياسي أسماء وبيوت وأسر وأمهات وزوجات وأبناء.
الضابط الذي يدخل السجن ليس مجرد رقم في ملف.إنه إنسان له حياة وكرامة ومستقبل.
ولهذا فإن أخطر ما في القصة ليس فقط اعتقال الضباط، وإنما انكسار القاعدة التي تقول إن الاختلاف لا يسلب الإنسان إنسانيته.
كان يمكن أن يُحاكم المخطئ أمام قانون واضح.
وكان يمكن أن يُعزل الضابط من منصبه.
وكان يمكن أن يُنقل إلى مكان آخر.
وكان يمكن أن يناقش موقفه أمام زملائه.
لكن حين يصبح السجن هو أول جواب على الخلاف، فإن الدولة تبدأ في فقدان إحدى أهم وظائفهاأن تجعل القانون أعلى من الأشخاص.
خلاصة الحلقةقضية المدفعية كما تظهر في هذه الرواية لم تكن مجرد قضية أمنية داخل الجيش.كانت اختبارًا مبكرًا لطبيعة النظام الجديد:هل نحن أمام ثورة تفتح بابًا جديدًا لمصرأم أمام سلطة جديدة تستخدم المؤسسة العسكرية لإدارة الخلاف السياسي
وهنا تكمن المأساة.فالذين خرجوا ليلة 23 يوليو وهم يظنون أنهم يفتحون صفحة جديدة، وجد بعضهم أنفسهم بعد شهور خلف القضبان.
ولذلك فإن السؤال الذي تتركه الحلقة للقارئ ليس..هل كان هؤلاء الضباط أبرياء أم مذنبين
فهذا يحتاج إلى وثائق ومحاكمات وقراءة مصادر متعددة.السؤال الأعمق هوهل يجوز أن تتحول الثورة، التي قامت لتغيير نظام الحكم، إلى نظام لا يسمح حتى لأبنائها بأن يختلفوا معها في طريقة الحكم
وهنا تبدأ قضية المدفعية في أن تكون أكثر من حادثة عسكرية.
إنها واحدة من اللحظات التي بدأ فيها الصراع على الثورة يتحول إلى صراع على السلطة.
وفي الحلقة القادمة، حين نصل إلى لقاء جمال عبد الناصر بضباط المدفعية، سيكون السؤال أكثر حساسية
هل كان عبد الناصر يحاول إقناعهم... أم احتواءهم




0 تعليقات