الصراخ الثوري.. لما الثورة دخلت في وداننا بقلم خالد البنا

 

الصراخ الثوري.. لما الثورة دخلت في وداننا




بقلم خالد البنا 

كان زمان عندنا في مصر نوع من الناس إذا غضب لا يرفع صوته، بل يخفضه.

والراجل ده كان يخوفك أكثر من الراجل اللي بيزعق.

لأنك إذا سمعت واحدًا يقول لك بهدوء..بص يا أخي، الموضوع مش عاجبني، تعرف أن المصيبة جاية في الطريق.

أما أيام الثورة، فقد تبدلت الأحوال.

بقى الواحد ما يقدرش يقول «صباح الخير» إلا وهو حاسس إنه بيعلن بيانًا ثوريًا.

تقول لمراتك

ـ صباح الخير.

تقول لك:

ـ صباح النور.

تقوم أنت واخد نفسًا عميقًا وتقول

ـ صباح الخير يا جماهير الشعب!

فتقول لك

ـ إنت اتجننت

فترد عليها:

ـ دي نبرة المرحلة

وأنا شخصيًا أعتقد أن الصراخ الثوري لم يكن مجرد ارتفاع في الصوت.

كان له علم خاص.

له هندسة.

وله دستور.

وله ناس لو قعدت جنبك في القهوة تقول لك هات الشاي تحس أن مجلس الأمن اجتمع واتخذ قرارًا خطيرًا.

وكان عندنا في الراديو أصوات لو سمعتها وأنت نايم تقوم من السرير تبحث عن الخريطة.

تقول

أيها المواطنون

فتقول 

ـ يا ساتر... حصل إيه

لقد وقع العدوان

تقوم لابس الجلابية فوق البيجامة.

والعدو الغاشم...

تقول لمراتك

ـ هاتي العيال من المدرسة.

فتقول

ـ ليه؟


تقول:

ـ مش عارف... بس الصوت مش مطمّن

والحكاية أن الميكروفون في تلك الأيام لم يكن مجرد ميكروفون.

كان بطلًا من أبطال المرحلة.

الميكروفون يقف أمام الزعيم، والزعيم يقف أمام الميكروفون، والمواطن الغلبان يقف في البيت أمام الراديو، وكل واحد منهم يؤدي دوره.

الزعيم يتكلم.

المذيع يصرخ.

المواطن يسمع.

ثم المواطن يذهب إلى القهوة ويشرح لجاره ما سمعه.

فيصرخ الجار.

فيعود المواطن إلى البيت فيصرخ في أولاده.

فيصرخ الأولاد في بعضهم.

وفي نهاية اليوم تكون الثورة قد وصلت إلى كل بيت من غير ما تدفع أجرة مواصلات.

وكانت هناك مشكلة صغيرة لم ينتبه لها أحد.

وهي أن كثرة الصراخ تجعل الواحد ينسى ماذا قيل أصلًا.

يعني لو قلت لك

سنحطم الاستعمار

أنت تفرح.

سنقضي على الرجعية

تفرح أكثر.

سنحقق العدالة الاجتماعية

تقوم من مكانك.

وسنبني المستقبل

تصفق.

ثم تسأل

ـ طيب المستقبل ده عنوانه فين

يقول لك واحد

ـ اسكت يا رجعي

فتسكت.

لأنك اكتشفت أن السؤال نفسه أصبح تهمة.

والعجيب أن الصراخ كان أحيانًا يؤدي وظيفة عظيمة جدًا.

كان يغطي على الأسئلة.

فالذي يسأل بهدوء:

ـ طيب، ماذا حدث بالضبط

يأتيه الرد بصوت أعلى:


لقد انتصرنا

فيقول:

ـ أنا بس بسأل...

ـ انتصرنا يا أخي

ـ طب فين الانتصار

ـ إنت بتشكك في الثورة

وهنا ينتهي الحوار.

لأنك اكتشفت أن مستوى الصوت أصبح هو الدليل.

كلما ارتفع الصوت، ارتفعت الحقيقة.

ولو كانت الحقيقة محتاجة إلى دليل، يبقى ارفع صوتك أكثر.

ومن هنا ظهرت المدرسة الجديدة في السياسة:

مدرسة الصوت العالي.

في هذه المدرسة لا تحتاج إلى ملف ولا وثيقة ولا جدول أرقام.

كل ما تحتاج إليه هو صدر واسع، وحبال صوتية قوية، ومذيع يعرف كيف يقول كلمة أيها المواطنون بطريقة تجعل المواطن يشك في نفسه.

ولو كان عندك ميكروفونان، فأنت أفضل من الذي عنده ميكروفون واحد.

ولو عندك ثلاثة، فأنت تقريبًا وزارة إعلام.

ولو عندك أربعة، يبقى أنت دولة.

وكان أحمد سعيد، رحمه الله، واحدًا من أشهر الأصوات الإذاعية المرتبطة بتلك المرحلة، حتى أصبحت نبرة صوت العرب جزءًا من الذاكرة السياسية العربية. بدأت إذاعة صوت العرب في يوليو 1953، وصار سعيد مديرًا وكبير مذيعيها.

وأنا لا ألوم الرجل.

فالمذيع في تلك الأيام كان أمامه نص.

والنص أمامه ثورة.

والثورة أمامها عدو.

والعدو أمامه ميكروفون.

فماذا يفعل المسكين

يصرخ

ولو رجعنا إلى القاهرة في الستينيات، لوجدنا أن الصراخ لم يكن في الراديو وحده.

كان في السينما.

وفي الأغنية.

وفي الخطابة.

وفي المؤتمرات.

وفي البيانات.

وفي الصحف.

حتى إنك أحيانًا كنت تشعر أن مصر كلها أصبحت حنجرة واحدة.

والحنجرة لها حق دستوري في أن تكون مرتفعة.

أما الأذن، فلم يكن لها رأي.

والحقيقة أن الصراخ السياسي له ميزة عظيمة.

إنه يوفر على الحكومة كثيرًا من الورق.

بدل ما تكتب لك عشرين صفحة لتشرح لك لماذا الأمور بخير، يكفي أن تقول

يا جماهير شعبنا العظيم

فتعرف فورًا أن الأمور ليست بخير، ولكن لا يصح أن تسأل.

ثم تأتي الموسيقى.

ثم صوت المذيع.

ثم الجماهير.

ثم الشعارات.

ثم التصفيق.

ثم تعود إلى بيتك وأنت مقتنع أن التاريخ قد تغير.

تفتح الثلاجة فتجد نصف كيلو بامية.

فتكتشف أن التاريخ لم يتغير في الثلاجة.

وأخطر ما في الصراخ الثوري أنه يجعل الإنسان يخلط بين الشعور بالقوة والقوة نفسها.

فالذي يصرخ يشعر أنه قوي.

والجماعة التي تصرخ تشعر أنها أقوى.

والدولة التي تملك ملايين الحناجر تشعر أنها لا تُهزم.

لكن المشكلة أن العدو لا يسمع الصراخ دائمًا.

أحيانًا يكون عنده طائرات.

وأحيانًا يكون عنده مدافع.

وأحيانًا يكون عنده خطة.

وهنا تبدأ المشكلة.

لأن المدفع لا يدخل في مناقشة مع الميكروفون.

ثم جاءت سنة 1967.

وهنا حدث شيء غريب جدًا.

سكتت الخريطة.

وسكتت النبرة قليلًا.

وصارت المسافة بين الكلام والواقع واضحة.

فقد اكتشف الناس أن هناك فرقًا بين أن تقول

سننتصر

وبين أن تنتصر فعلًا.

وبين أن تقول

لن تستطيع قوة في العالم...

وبين أن تجد القوة التي في العالم أمامك على الأرض.

وهنا، لأول مرة، بدأ المواطن المصري يسأل السؤال الذي كان مؤجلًا:

هو إحنا كنا بنسمع إيه بالضبط

ومع ذلك لم يمت الصراخ.

الصراخ السياسي كائن عنيد.

يتغير فقط.

كان زمان يسكن في الراديو.

ثم انتقل إلى التلفزيون.

ثم دخل الصحيفة.

ثم وجد لنفسه مكانًا في الميكروفون.

ثم اكتشف الإنترنت.

ثم فتح حسابًا على فيسبوك.

ثم اشترى هاتفًا محمولًا.

والآن أصبح لكل مواطن ميكروفون في جيبه.

زمان كان عندنا مذيع واحد يصرخ على ملايين الناس.

اليوم ملايين الناس يصرخون في وقت واحد.

وهنا تحققت أخيرًا العدالة الاجتماعية في الصراخ.

زمان كان المواطن يقول

سمعت في الراديو...

أما اليوم فيقول

أنا شفت بوست بيقول...

والفرق بين الاثنين أن الراديو كان عنده مذيع.

أما فيسبوك فليس عنده مذيع واحد.

عنده مليار مذيع.

وكل واحد منهم مقتنع أنه يمتلك الحقيقة كاملة.

وهكذا، يا سادة، انتقلنا من زمن الصوت الواحد إلى زمن الأصوات التي لا تنتهي.

لكن السؤال القديم ما زال موجودًا:

هل ارتفاع الصوت يعني ارتفاع الحقيقة

أم أن الحقيقة، في معظم الأحيان، امرأة هادئة جدًا...

لا تحب الزعيق

وأنا شخصيًا أميل إلى الرأي الثاني.

لأنني منذ عرفت الدنيا وأنا ألاحظ أن أكثر الناس صراخًا ليس بالضرورة أكثرهم معرفة.

وأن الذي يملك الحجة أحيانًا يتكلم بهدوء.

أما الذي لا يملكها، فيرفع صوته.

ثم يرفع صوته مرة أخرى.

ثم ينظر إليك في غضب ويقول

ـ فاهم

فتقول

ـ فاهم.

ليس لأنك فهمت.

ولكن لأنك تريد أن تعيش.







إرسال تعليق

0 تعليقات