قراءة نقدية في نص في ذكرى السادس من اكتوبر
بقلم الكاتب وشاعر البسطاء سعيدسعيدامام
يأخذنا سيادة اللواء أشرف جمال حمادمع هذا النص إلى زاوية مختلفة من زوايا حرب اكتوبر 1973 فلا يقف عند مشهد الجندي الذي عبر القناة ولا عند تحطيم تحصينات خط بارليف فقط وإنما يحاول الاقتراب من الرجال الذين عملوا خلف الستار ومن منظومة المعلومات والخداع والتخطيط التي سبقت لحظة العبور
ومنذ البداية يعتمد الكاتب على مقابلة واضحة بين الهزيمة والنصر وبين اليأس والرجاء وهي مقابلة تمنح المقدمة شحنة وطنية قوية وتضع القارئ مباشرة أمام التحول الكبير الذي مثلته حرب اكتوبر في الوعي المصري
لكن القيمة الحقيقية للنص تبدأ عندما ينتقل الكاتب من الحديث عن البطولة الظاهرة إلى البطولة التي تعمل في صمت
فالجيش كان يخوض المعركة على الأرض بينما كانت هناك معركة أخرى تسبق إطلاق النار
معركة المعلومة
ومعركة التوقيت
ومعركة إخفاء النوايا
ومعركة جعل الخصم يرى ما تريد له أن يراه
وهنا ينجح الكاتب في إبراز فكرة مهمة وهي أن الحروب لا تحسم بالشجاعة وحدها وإنما بالتخطيط والمعلومات والقدرة على تحقيق المفاجأة أيضا
وتؤكد المصادر المصرية الرسمية أن خطة الخداع الاستراتيجي كانت بالفعل جزءا أساسيا من الإعداد للحرب وشملت إجراءات عسكرية وسياسية وإعلامية هدفت إلى إخفاء الاستعداد للهجوم كما جرى استخدام المناورات والتسريح المعلن لبعض المجندين وفتح باب العمرة وغيرها من الإجراءات ضمن عملية الخداع
ومن الناحية السردية يستخدم الكاتب أسلوب مخاطبة القارئ مباشرة من خلال عبارة عزيزي القارئ ثم يدعوه إلى الانتقال معه من محطة إلى أخرى
وهذا الأسلوب يجعل المقال أقرب إلى حكاية تاريخية يرويها صاحبها للقارئ وليس مجرد سرد جامد للمعلومات
كما أن اختيار خط بارليف نموذجا للتوقف عنده موفق لأن هذا الخط لم يكن مجرد ساتر ترابي وإنما منظومة دفاعية ضمت نقاطا حصينة ومرابض للدبابات وتجهيزات واتصالات وكان اقتحامه جزءا مركزيا من عملية بدر المصرية
ويبرز النص كذلك أهمية اختيار توقيت الحرب
وهذه نقطة تستحق التقدير لأن تحديد السادس من اكتوبر لم يكن قرارا عشوائيا وإنما جاء بعد دراسة عوامل عسكرية وطبيعية وعملياتية متعددة بما فيها ظروف القناة وحالة القوات والجبهة السورية وظروف الخصم
لكن القراءة النقدية المنصفة تستوجب التوقف أمام بعض التفاصيل الواردة في المقال
فالنص يقدم عددا من المعلومات التاريخية بصيغة تقريرية حاسمة مثل بعض التفاصيل المتعلقة بوسائل الاتصال في يوم الغفران وفتحات النابالم والحصول على الرسومات التفصيلية وترحيل الخبراء السوفييت باعتباره جزءا مباشرا من خطة الخداع
وهذه النقاط تحتاج عند النشر التاريخي إلى توثيق كل واقعة على حدة وعدم جمعها جميعا في درجة واحدة من اليقين
فالمصادر الرسمية تؤكد وجود خطة خداع واسعة وتؤكد أن الرئيس السادات طلب سحب المستشارين العسكريين السوفييت في يوليو 1972 كما تؤكد أن القيادة المصرية اتخذت سلسلة طويلة من إجراءات التمويه قبل الحرب لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل رواية متداولة عن تلك المرحلة ثابتة بالتفاصيل نفسها
وهذه الملاحظة لا تقلل من قيمة النص بل يمكن أن تزيده قوة
لأن الكتابة عن حرب اكتوبر تكتسب قيمتها الأكبر عندما يجتمع فيها الاعتزاز الوطني مع الدقة التاريخية
أما فنيا فأكثر ما يميز النص هو فكرته المركزية
النصر الذي شاهده العالم في السادس من اكتوبر بدأ قبل السادس من اكتوبر بوقت طويل
بدأ عندما أصبحت المعلومة سلاحا
والصمت سلاحا
والتمويه سلاحا
والتوقيت سلاحا
ثم جاءت ساعة القتال ليتحول كل ذلك التخطيط إلى فعل على الأرض
وهنا يمكن قراءة المقال باعتباره تحية إلى أصحاب البطولة الصامتة بقدر ما هو استعادة لذكرى الحرب
فالذين عبروا القناة كانوا أبطال المشهد
لكن خلف المشهد كانت هناك عقول تحسب وتراقب وتجمع المعلومات وتخطط وتخفي وتنتظر اللحظة المناسبة
وقد كشفت القوات المسلحة المصرية في السنوات الأخيرة مجموعة من الوثائق المتعلقة بالتخطيط وإدارة العمليات والخداع الاستراتيجي وهو ما يفتح المجال أمام قراءة أكثر توثيقا لهذه الجوانب من الحرب
ويبقى أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا النص أن السادس من اكتوبر لم يكن انتصارا للسلاح وحده
كان انتصارا للعقل الذي خطط
وللمعلومة التي وصلت
وللسر الذي حفظ
وللجندي الذي نفذ
وللوطن الذي تحمل سنوات طويلة حتى جاءت ساعة العبور
ولهذا سيظل اكتوبر درسا يتجاوز حدود المعركة نفسها
فالأوطان لا تعبر أزماتها بالأمنيات
ولكنها تعبر عندما تعرف هدفها وتحسن التخطيط له وتملك الإرادة لتنفيذه
ويبقى خلف كل نصر عظيم رجال نعرف أسماءهم
ورجال ربما لا نعرف أسماءهم أبدا
لكن الوطن يعرف ماذا فعلوا
قراءة وتحليل
الكاتب وشاعر البسطاء
سعيدسعيدامام



0 تعليقات