آخر شاهد على أمي
بقلم سعيد سعيد إمام
قصة اجتماعية إنسانية من قلب الريف المصري بقلم الكاتب الصحفي وشاعر البسطاء سعيدسعيدامام
في ليلة شتا بردها كان بيعض في العضم وقفت الحاجة رحمة قدام باب بيت ابنها الكبير شايلة شنطة هدوم صغيرة وفي إيدها التانية علبة دوا
خبطت مرة واتنين وتلاتة لحد ما مرات ابنها فتحت الباب وبصت لها من فوق لتحت
قالت لها إيه يا حماتي هو إحنا مش اتفقنا إن الشهر ده عند أخوه
ردت الحاجة رحمة بصوت مكسور أخوه قفل الباب في وشي وقال لي مراتي تعبانة ومش ناقصة خدمة حد
خرج ابنها حمدي على صوتهم وقال لها وإنت جاية هنا ليه يا أمي ما إنت عارفة ظروفنا
قالت له أنا مش جاية آكل ولا أشرب يا ضنايا أنا بس عايزة أنام الليلة دي والصبح ربنا يحلها
بص لمراته وبعدين بص لأمه وقال لها استني هنا شوية
دخل وقفل الباب
فضلت الحاجة رحمة واقفة تحت المطر مستنية ابنها يرجع
عدت نص ساعة والباب ما اتفتحش
قعدت على أول درجة في السلم وحضنت شنطتها وفضلت تبص للباب
كانت نفس الست اللي باعت دهبها عشان تجوز حمدي ونفس الست اللي اشتغلت في الغيط بعد موت جوزها عشان أخوه الأصغر يكمل تعليمه
كانت فاكرة يوم ما حمدي وقع من فوق السطح وهو صغير وقعدت تلات ليالي في المستشفى من غير ما تغمض عينها
وفاكرة يوم ما ابنها التاني اتهموه بسرقة فلوس من المدرسة وراحت حافية لبيت المدير تدافع عنه لحد ما ظهرت براءته
لكن الليلة دي ما كانش فيه حد يدافع عنها
قامت بصعوبة ومشيت
عند آخر الشارع شافها عم صابر صاحب الفرن القديم
نادى عليها رايحة فين يا حاجة رحمة في البرد ده
قالت له رايحة بيتي يا صابر
استغرب وقال لها بيتك اللي ولادك باعوه من سنتين
ابتسمت ابتسامة موجوعة وقالت له أهو الواحد ساعات بيحن حتى للحيطان اللي ما بقتش بتاعته
عم صابر ما قدرش يسيبها
فتح لها أوضة صغيرة جنب الفرن وفرش لها بطانية وجاب لها كوباية شاي سخن
قالت له ربنا يسترك يا ابني
رد عليها أنا اللي كنت محتاج دعوتك دي يا أمي
وفي نص الليل سمع صوت كحة شديدة
دخل لقاها قاعدة على طرف السرير وبتحاول تاخد نفسها
جري جاب عربية ووداها المستشفى
الدكتور سأله إنت ابنها
قال له لا يا دكتور أنا جارها
الدكتور قال لازم حد من أهلها ييجي حالا
طلع عم صابر تليفونه واتصل بحمدي
قال له أمك في المستشفى وحالتها صعبة
رد حمدي وهو لسه صاحي من النوم وقال له طب خلي أخويا يروح أنا عندي شغل بدري
اتصل بأخوه الأصغر
رد وقال له هو كل حاجة لازم أنا اللي أعملها ما تكلم حمدي
قفل عم صابر التليفون وبص للسما
وقال يا رب ارحم قلب الست دي
مع طلوع الفجر فتحت الحاجة رحمة عينيها وبصت لعم صابر اللي كان قاعد جنبها
قالت له ولادي جم
سكت
سألته تاني حمدي جه
هز راسه بالنفي
قالت له وأخوه
ما قدرش يرد
ابتسمت وقالت له خلاص يا صابر ما تتعبش نفسك
وبعد شوية طلبت منه يفتح شنطتها
طلع منها كيس قماش صغير مربوط بخيط أحمر
قالت له ده فيه حاجة عايزاك توصلها لولادي بعد ما أموت
اتخض وقال لها بعد الشر عليكي يا حاجة
مسكت إيده وقالت له اسمعني كويس
الفلوس اللي في الكيس دي كنت محوشاها من شغلي زمان ومن معاش أبوهم
قال لها طب ما كنتي صرفتي منها على نفسك
ردت وهي بتبص للسقف
كنت خايفة واحد فيهم يحتاج حاجة وما يلاقينيش
نزلت دمعة من عين عم صابر
قال لها وهما سابوكي محتاجة يا حاجة
قالت له بس أنا أمهم يا صابر
وبعد لحظات سكت صوتها
نادى عليها مرة واتنين
لكن الحاجة رحمة كانت راحت للي عمره ما بيقفل بابه في وش حد
وصل الخبر للولاد
حمدي جه يجري على المستشفى وأخوه وصل بعده بدقايق
وقفوا قدام جسم أمهم المغطى بملاية بيضا
حمدي شال طرف الملاية وباس راسها وانهار في العياط
قال لها قومي يا أمي والله ما هسيبك تاني
لكن الأم اللي استنته طول الليل ما ردتش
بعد الدفن اجتمع الأخوان في بيت حمدي
دخل عليهم عم صابر ومعاه الكيس القماش
قال لهم أمكم سابت لكم الأمانة دي
فتح حمدي الكيس
لقى مبلغ فلوس وورقة قديمة مكتوبة بخط إيدها
بدأ يقرا بصوت مسموع
يا ولادي
الفلوس دي كنت شايلها ليكم لو الدنيا ضاقت بواحد فيكم
أنا عارفة إن الحياة صعبة وإن البيوت فيها هموم
وعارفة إن وجودي كان تقيل عليكم في آخر أيامي
بس والله ما كنت عايزة منكم أكل ولا شرب ولا فلوس
كنت عايزة أحس إني لسه أمكم
كنت عايزة لما أخبط على باب واحد فيكم ألاقيه فرحان بيا زي ما كنت بفرح لما أسمع صوتكم وإنتوا راجعين من المدرسة
أنا مسامحاكم من قلبي
بس عندي طلب أخير
لو ربنا رزقكم بالعمر وكبرتوا وبقيتوا محتاجين حضن من ولادكم افتكروا الليلة اللي أمكم باتت فيها قدام بابكم
وما تزعلوش منهم
يمكن يكونوا اتعلموا منكم
وقعت الورقة من إيد حمدي
فضل باصص لأخوه من غير كلام
وفجأة دخل عليهم ابنه الصغير يوسف اللي كان واقف بيسمع من ورا الباب
قال له بابا
رفع حمدي وشه
قال الولد هو إنت لما تكبر هتبات عند باب بيتنا زي تيتة
حمدي ما عرفش يرد
قرب منه يوسف وقال له ما تخافش يا بابا أنا مش هقفل الباب في وشك
حضنه حمدي وفضل يعيط
لكن عم صابر كان واقف عند الباب وقال جملة خلت الاتنين يطاطوا راسهم
أمكم ماتت وهي مسامحاكم
بس مين قال إن المسامحة بترجع اللي مات
ومن يومها حمدي بقى يفتح باب بيته كل ليلة قبل ما ينام
يقف شوية ويبص على أول درجة في السلم
نفس الدرجة اللي أمه قعدت عليها مستنياه
وكان كل ما يسمع صوت الهوا بيخبط في الباب يقوم مفزوع ويجري يفتحه
يمكن أمه رجعت
يمكن لسه مستنياه
لكن الباب كان دايما فاضي
وفي ليلة شتا بعد سنين طويلة وقف يوسف قدام أبوه وسأله
بابا إنت ليه كل يوم بتفتح الباب ومحدش بيخبط
رد حمدي وعينيه مليانة دموع
عشان فيه باب قفلته مرة في وش أمي
ومن يومها وأنا بحاول أفتحه
بس اللي كانت واقفة وراه مشيت
ومش هترجع تاني




1 تعليقات
من لا يشكر الناس لا يشكر الله
هناك من يمر على الإبداع مرور العابرين وهناك من يمنحه من وقته واهتمامه ما يجعله باقيا في ذاكرة القلوب
وإن هذا التوثيق العظيم ليس مجرد كلمات تسجل أو حروف تنشر بل هو وفاء راق وتقدير نبيل ورسالة محبة تحمل بين سطورها أصالة المعدن وجمال الروح
أتقدم بخالص شكري وعظيم امتناني لصاحب هذا التوثيق الراقي الذي أعتز به وأعتبره وساما غاليا أضعه على صدر مسيرتي الأدبية
فالكلمة الطيبة لا يضيع أثرها والتقدير الصادق لا ينسى وأجمل ما يحصده الإنسان في رحلته محبة الناس واحترام أصحاب القلوب النقية
لكم مني كل الشكر والتقدير والاحترام وأسأل الله أن يديم بيننا المحبة وأن تبقى أقلامنا جسورا للوفاء والإبداع
مع خالص محبتي وتقديري الكاتب الصحفي وشاعر البسطاء
سعيد سعيد امام