بروفسير عيد النوقي يكتب .. مدير جارديان الصومال 🇸🇴

 

من إصلاح الفهم إلى يقظة الوعي (2)

تكامل المدرستين الأفغاني ،ورشيد رضا  ودروسهما لبناء وعي الأمة اليوم"



الأديب و المفكر البروفيسور م الدكتور  عيد كامل حافظ النوقي  

(5) الأفغاني ورشيد رضا: تكامل لا تعارض

إن العلاقة بين جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا ليست علاقة اختلاف أو تنازع، بل هي علاقة تكاملٍ عميق في المشروع النهضوي الإسلامي.

جاء الأفغاني من بوابة السياسة والفكر العام، يخاطب وجدان الأمة ويوقظ إحساسها بالخطر، ويحرّك عصبها الحضاري عبر الصحافة والخطاب الجماهيري، فكان دوره أشبه بمن يوقظ النائم ويهزّه بقوة ليعيد إليه نبض الحياة.

أما محمد رشيد رضا، فجاء من بوابة الدين والتربية والعلم، فاشتغل على بناء العقل وتصحيح الفهم وترسيخ المنهج، وجعل من التفسير والتعليم منبرًا لإعادة تشكيل الوعي على أسس قرآنية مقاصدية راسخة.



ومن هنا يمكن القول بعبارة دقيقة جامعة:

الأفغاني أيقظ روح الأمة، ورشيد رضا علّمها كيف تفكر.

الأول بعث فيها الحياة، والثاني أحسن توجيهها.

(6) دروس معاصرة لوعي الأمة اليوم:

من مدرسة هذين الإمامين نستخلص خمس قواعد كبرى لبناء وعي الأمة في واقعنا المعاصر:

القاعدة الأولى: لا نهضة بلا وعي.

فالنهضة الحقيقية تبدأ من العقل وبصيرته، لا من المال وحده ولا من القوة المجردة، لأن القوة بلا وعي تتحول إلى طيش، والمال بلا عقل يتحول إلى فساد.

القاعدة الثانية: إصلاح الفهم قبل إصلاح الواقع.

إذا اختلّ الفهم اختلّ العمل، وإذا فسد التصور فسد المسار، أما حين يصحّ الفهم فإن الطريق يستقيم وتثمر الجهود.

القاعدة الثالثة: تحرير العقل من التبعية.

الأمة الواعية لا تستورد الأفكار كما تُستورد السلع، بل تُمحّص وتزن وتنتقد وتبني رؤيتها من داخل قيمها وثوابتها.

القاعدة الرابعة: الدين قوة حضارية لا عائقًا للتقدم.

حين يُفهم الدين فهمًا صحيحًا يصبح محرّكًا للإبداع والبناء والعمران، لا سببًا للجمود أو التخلف.

القاعدة الخامسة: الوعي الجمعي يصنع المستقبل.

فالأمة حين تمتلك وعيًا مشتركًا راسخًا تستطيع أن تغيّر واقعها، حتى لو كانت ضعيفة ماديًا، لأن الوعي مقدمة القوة.

(7) إسقاطات تطبيقية على واقعنا المعاصر:

وإذا أردنا أن نُنزّل فكر الأفغاني ورشيد رضا على واقعنا اليوم، فإن ذلك يقتضي العمل على محاور أساسية:

إصلاح التعليم ليصنع مفكرين وقادة رأي، لا مجرد موظفين يؤدون وظائف.

تجديد الخطاب الديني ليكون مقاصديًا، عقليًا، متوازنًا، بعيدًا عن الجمود أو التسييس المبتذل.

تحصين عقول الشباب من التضليل الإعلامي وثقافة الاستهلاك الفكري السطحي.

إعادة بناء ثقة الأمة بذاتها، ونزع عقدة النقص أمام الغرب.

إحياء قيمة العقل النقدي بدل تكريس ثقافة القطيع والتقليد الأعمى.

(8) خاتمة تركيبية جامعة:

لقد أيقظ جمال الدين الأفغاني روح الأمة حين كانت غارقة في سباتها، ثم جاء محمد رشيد رضا ليعمّق هذا الإيقاظ بإصلاح الفهم وبناء العقل المنهجي. ومن هنا فإن طريق النهضة المعاصرة يمرّ حتمًا عبر استلهام مشروعهما معًا.

إن الأمة التي تريد النهوض لا بد أن تبدأ من داخلها قبل خارجها، فتملك:

عقلًا مستنيرًا

قلبًا حيًا

فهمًا صحيحًا

وعيًا جامعًا

وخلاصة القول التي تُختزل فيها الرسالة كلها:

إصلاح الفهم هو بوابة يقظة الوعي، ويقظة الوعي هي بوابة نهضة الأمة.


إرسال تعليق

0 تعليقات