بين وهج السيف و حكمة الدولة بقلم المفكر د كامل عبد القوى النحاس

 

بين وهج السيف و حكمة الدولة




بقلم المفكر د كامل عبد القوى النحاس 

حين يكتب جنرالٌ بحجم اللواء أشرف جمال حماد وهو ابن اعظم مؤرخ عسكرى اللواء جمال حماد رحمه الله عن معركة، فإن حرارة الميدان تسري في الحروف بطبيعتها.


ونص “صفين (3)” 


يحمل هذه السمة بوضوح: إيقاع سريع، تصاعد درامي، إحساس بأن لحظة الحسم كانت قاب قوسين أو أدنى.


 وهذه ميزة لا تُنتقص، بل تُحترم، لأن الكاتب يكتب بروح المقاتل لا بروح المؤرخ البارد.


ومع ذلك، ولأن التجربة العسكرية ذاتها تعلمنا أن أعظم الانتصارات تُستكمل في غرف التخطيط لا في خطوط الاشتباك، 


فإن النص يمكن أن يزداد عمقًا إذا انتقلنا – قليلًا – من زاوية الميدان إلى زاوية الدولة.


ما يُحسب للنص


التدرج السردي المتماسك حتى لحظة التحكيم في معركة صفين.


إبراز أثر مقتل عمار بن ياسر في إشعال الروح المعنوية.


وضوح أن التحكيم كان نقطة تحول بين معسكر الإمام علي بن أبي طالب ومعسكر سيدنا معاوية بن أبي سفيان، رضى الله عنهما.


لغة قوية توحي بأن النصر كان وشيكًا.


هذه عناصر صلبة، لا تحتاج إلى إعادة بناء، بل إلى توسيع منظور.


من المعركة إلى الدولة…


 نقلة طبيعية


ربما يكون أجمل تطوير للنص – دون أن يفقد روحه – هو أن نطرح سؤالًا إضافيًا لا يلغي ما قبله:


هل تُحسم مصائر الدول دائمًا في لحظة اشتباك؟


التاريخ يجيبنا بهدوء:


 ليس بالضرورة.


فبعد أن هدأت السيوف، استطاع معاوية بن أبي سفيان أن يدير مرحلة شديدة التعقيد سياسيًا، فاحتوى الانقسامات، وأعاد بناء هيبة السلطة، وأطلق مرحلة توسع في ظل الدولة الأموية امتدت فيها الدولة شرقًا وغربًا، ونشطت تجارتها، وتعزز أسطولها البحري لأول مرة، واستقرت إدارتها نسبيًا بعد سنوات من الاضطراب.


ليس المقصود إعادة تقييم المواقف العقدية، 


بل الإشارة إلى حقيقة سياسية:


القائد الذي يُحسن إدارة ما بعد المعركة قد يحقق أثرًا أبقى من القائد الذي يوشك أن يحسمها عسكريًا.


وهنا لا يُلغى السيف، بل تُستكمل وظيفته بالسياسة، أو تبقى القوة حارسة لإنجاح السياسة.


درس التاريخ الحديث… بهدوء الأرقام


في العصر الحديث، نجد التجربة ذاتها بصورة أخرى.


امتلك الرئيس جمال عبد الناصر كاريزما استثنائية، وقدرة تعبئة شعبية هائلة، وخاض مشاريع قومية كبرى، 


لكن التوازنات الدولية كانت أعقد من أن تُدار بخطاب تعبوي وحده.


فكانت هناك نتائج صعبة:


انفصال السودان سياسيًا عن مصر عام 1956.


هزيمة 1967 وسقوط سيناء تحت الاحتلال.


استنزاف اقتصادي كبير نتيجة صراعات إقليمية ومواجهات مفتوحة مع المعسكر الغربي.


انتقال مصر تدريجيًا من موقع الدائن إلى موقع المدين.


ليس في ذلك تقليل من نوايا الرجل أو وطنيته، 


بل إشارة إلى أن إدارة الصراع الدولي تحتاج إلى حسابات دقيقة لموازين القوة.


نموذج مختلف: الردع بلا مغامرة


وفي المقابل، يمكن رصد نموذج آخر في إدارة القوة الحديثة.


فقد عمل الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال سنوات حكمه على:


إعادة بناء قدرات الجيش المصري وتسليحه وتحديثه حتى أصبح في تصنيفات متقدمة عالميا والأول إقيميا.


تنويع مصادر السلاح شرقًا وغربًا بما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية.


إطلاق مشروعات بنية تحتية ضخمة (الطرق، الطاقة، قناة السويس الجديدة، المدن الجديدة).


تثبيت مؤسسات الدولة بعد مرحلة اضطراب داخلي حاد.


إدارة ملفات إقليمية معقدة – في ليبيا وشرق المتوسط وغزة والقرن الإفريقى– بأدوات ردع سياسي دون الانزلاق إلى حرب مباشرة.


اللافت هنا أن امتلاك القوة لم يُترجم إلى اندفاع عسكري، بل إلى توظيف الردع كوسيلة منع.


وهذه مدرسة في إدارة الدولة تقوم على أن:


أفضل الحروب… تلك التي لا تقع أصلًا.


العودة إلى صفين… بعين أوسع


إذا أُعيدت صياغة نص “صفين (3)” بهذه العدسة، فلن يتراجع وهجه، بل سيزداد نضجًا.


يمكن أن يُقال – دون مساس بروح الكاتب – إن التحكيم لم يكن مجرد التفاف على نصر عسكري، بل انتقالًا للصراع إلى ساحة أخرى:


 ساحة السياسة وإدارة الشرعية.


وعندها تصبح المقارنة أكثر ثراءً:


قائدٌ يوشك أن يحسم الميدان،


وقائدٌ يُحسن تثبيت الدولة بعد الميدان.


وكلاهما جزء من درس واحد:


القيادة ليست شجاعة قتال فحسب، بل قدرة على إدارة التعقيد.


الخاتمة… 


حيث يلتقي السيف بالدولة


النص يحمل روح الجنرال،


 وهذا مكسب لا يُفرَّط فيه.


لكن إضافة بُعد الدولة إلى بُعد المعركة ستجعل المقال أكثر اتساعًا، وأقرب إلى الحكمة الاستراتيجية التي يعرفها القادة الكبار أمثال الجنرال.


فالتاريخ لا يُسجل فقط من انتصر في ساعة،


بل من استطاع أن يحول اللحظة إلى مسار،


والمعركة إلى استقرار،


والقوة إلى بناء.


السيف يحسم المواجهة،


لكن السياسة تحسم البقاء.


والقائد الأكمل ليس من يُجيد واحدة منهما،


بل من يعرف متى يُشهر السيف…


ومتى يُغمده ليحمي الدولة.








إرسال تعليق

0 تعليقات