بين العقيدة والكرامة الإنسانية بقلم خالد البنا

 

بين العقيدة والكرامة الإنسانية




بقلم خالد البنا   🇪🇬


ليست المشكلة في اختلاف العقائد، فالتاريخ الإنساني كله قائم على الاختلاف، وإنما المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى سخرية، ويتحول الإيمان إلى مادة للتندر، ويتحول الإنسان إلى ممثل لعقيدته في ساحة محاكمة يومية.


في بلادنا، حيث يعيش المسلم والمسيحي في شارع واحد، ويشربان من ماء واحد، ويقتسمان الخبز والملح والفرح والحزن، كان المفترض أن تكون العلاقة أعمق من مجرد جدل لاهوتي. لكن ما يحدث أحيانًا يكشف عن خلل ثقافي قبل أن يكون خللًا دينيًا.


حين يناقش طالب أستاذًا في العقيدة، ويرفض الأستاذ النقاش، فهذه ليست دائمًا علامة ضعف، بل ربما هي خوف مشروع من أن يتحول النقاش إلى تهكم. فالعقيدة ليست معادلة رياضية، بل هي جزء من وجدان الإنسان وهويته. والإنسان بطبيعته يدافع عن وجدانه أكثر مما يدافع عن منطقه.


المسلم حين يسمع عقيدة التجسد أو التثليث يراها بعين التوحيد الصارم، فيستغربها وربما يرفضها. والمسيحي حين يسمع نقدًا مباشرًا لهذه العقائد قد يشعر أن الناقد لا يناقش، بل يهدم المقدس الذي نشأ عليه.


وهنا تقع المأساة.


ليست المأساة في السؤال كيف يكون الله ثلاثة


وليست في السؤال كيف يتجسد الإله


فهذه أسئلة فكرية قديمة ناقشها علماء كبار.


لكن المأساة أن تتحول هذه الأسئلة إلى سلاح اجتماعي.


أن يفتح طالب هاتفه أمام رجل مسيحي يأكل معه، ويشغل آيات قرآنية تتحدث عن كفر عقيدته، فهذا ليس دعوة ولا حوارًا، بل رسالة إقصاء صريحة. وكأنما يقول له أنت هنا بيننا، لكنك مرفوض في جوهرك.


وهنا نفقد معنى الدين.


فالقرآن نفسه حين تحدث عن أهل الكتاب قال


ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن


سورة العنكبوت الآية 46


لاحظ لم يمنع الجدل، لكنه وضع له أخلاقًا.


المشكلة في مصر ليست في التعدد الديني، بل في ضعف الثقافة المدنية. ما زلنا نخلط بين حق الإنسان في الإيمان، وحقنا في الاعتراض على إيمانه. نعم، لك أن تعترض، لكن ليس لك أن تهين.


التنمر العقائدي جرح عميق، لأنه لا يصيب الرأي بل يصيب الكيان كله.


حين تسخر من عقيدة إنسان، فأنت لا تهاجم فكرة مجردة، بل تهز ذاكرته، أسرته، طفولته، وصلواته، وموتاه المدفونين على هذا الإيمان.


وقديماً علمتنا مصر شيئًا أعظم من الجدل


أن الوطن أكبر من العقيدة، وأن الجار أسبق من المناظرة.


إن الأزمة ليست أن المسلم يقول إن المسيحية باطلة، أو أن المسيحي يقول إن الإسلام ليس طريقه؛ فكل صاحب دين يعتقد بصحة دينه.


الأزمة حين يتحول هذا الاعتقاد إلى استعلاء اجتماعي.


الاستعلاء هو أخطر أنواع الفقر الروحي.


والحقيقة التي يجب أن نواجهها


كثير من معارك العقيدة عند الناس ليست دفاعًا عن الله، بل دفاعًا عن الأنا.


الله لا يحتاج من يهينه الناس باسمه.


ولو فهمنا الدين حقًا، لفهمنا أن احترام الإنسان لا يعني الموافقة على عقيدته، كما أن رفض العقيدة لا يبرر إذلال صاحبها.


هكذا تبقى الأوطان.


لا بالسخرية من صليب،


ولا بالاستهزاء من هلال،


بل بأن يتسع القلب لما ضاق عنه العقل.







إرسال تعليق

0 تعليقات