رسالة إلى طفل سيولد بعد خمسين عامًا كتب دكتور مصطفي علي

 

رسالة إلى طفل سيولد بعد خمسين عامًا




كتب دكتور  مصطفي علي 


عزيزي الصغير... 

لا أعرف اسمك، ولا ملامح وجهك، ولا المدينة التي ستولد فيها، ولا اللغة التي ستتحدث بها مع أصدقائك، لكنني أعرف شيئًا واحدًا...

أنك سترث عالمًا صنعناه نحن، بحسناته وأخطائه. 

قد تقرأ هذه الرسالة في زمن أصبحت فيه المسافات مجرد أرقام، والأمراض التي أرهقتنا صفحات في كتب التاريخ، وربما تبتسم حين تعرف أننا كنا نقف في طوابير طويلة لإنجاز ما تنجزه أنت في ثوانٍ. 

لكن دعني أعترف لك بشيء. 

لم تكن مشكلتنا يومًا قلة الإمكانات، بل قلة الاتفاق على ما يستحق أن نبذل من أجله أعمارنا. 

اختلفنا كثيرًا... 

حول الأشخاص، وحول الشعارات، وحول من كان على حق ومن كان على باطل، حتى كدنا ننسى أن الوطن لا يسأل كل صباح....

من انتصر في الجدل؟ 

بل يسأل...

 ماذا أُنجز بالأمس؟ 

تعلمنا متأخرين أن الكلمة قد تبني، وقد تهدم، وأن الشائعة قد تقتل حلمًا قبل أن يولد، وأن اليأس ينتشر أسرع من الأمل إذا ترك الناس أبوابه مفتوحة. 

إذا وجدت في زمانك مدرسة أفضل، ومستشفى أرحم، وطريقًا أكثر أمانًا، ومؤسسة تعمل بإخلاص، فلا تظن أنها ظهرت فجأة. 

تذكر أن وراء كل حجر يدًا تعبت، ووراء كل نجاح إنسانًا لم يبحث عن التصفيق، بل عن الأثر. 

وأرجوك...

 لا تقس الناس بما يملكون، بل بما يضيفونه إلى حياة الآخرين. 

فالثروة قد تُورث، أما القيمة فلا يرثها أحد، بل يصنعها بنفسه. 

ستجد من يحاول إقناعك بأن القوة في الصوت المرتفع، لكن الأيام ستخبرك أن القوة الحقيقية في الفكرة الهادئة التي تغيّر الواقع دون أن تجرح أحدًا. 

وستجد من يقول لك إن الزمن تغيّر، وأن المبادئ لم تعد تصلح لهذا العصر. 

لا تصدقه كله، ولا تكذبه كله. 

فالعصور تتغير، لكن الصدق لا يشيخ، والأمانة لا تصبح قديمة، والعدل لا يفقد قيمته. 

قد لا نكون نجحنا في كل شيء، وربما أخطأنا أكثر مما أصبنا، لكننا تمنينا دائمًا أن يكون الغد أجمل من الأمس. 

ولهذا أكتب إليك. 

ليس لأطلب منك أن تشكرنا، ولا أن تعذرنا، بل أن تتعلم من أخطائنا أكثر مما تحفظ أسماءنا. 

فإذا مررت يومًا على قبر رجل لم يترك وراءه قصرًا، لكنه ترك فكرة نافعة، فاعلم أن الفكرة أطول عمرًا من الحجر. 

وإذا سألك أحدهم بعد خمسين عامًا...

ماذا ترك لكم الذين سبقوكم؟ 

فلا تقل...

 تركوا لنا المباني. 

ولا تركوا لنا الأموال. 

قل فقط...

 تركوا لنا فرصة لنكون أفضل منهم... 

فحاولنا ألا نضيعها. 

صديقٌ من زمنٍ بعيد... 

كان يؤمن أن المستقبل يولد كل صباح

 في ضمير إنسان

قبل أن يولد في صفحات التقويم.









إرسال تعليق

0 تعليقات